ابن عجيبة

380

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أحدهما في الآخر ؛ بزيادة الليل أو النهار . وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لمنافع العباد ، كُلٌّ ، أي : كل واحد من الشمس والقمر يَجْرِي في فلكه ، ويقطعه ، إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ؛ إلى يوم القيامة ، أو : إلى وقت معلوم للشمس ، وهو تمام السنة ، والقمر إلى آخر الشهر . وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ؛ عالم بكنهه ، لا يخفى عليه شئ . فدل ، بتعاقب الليل والنهار ، أو بزيادتهما ونقصانهما ، وجري النيرين في فلكهما ، على تقدير وحساب معلوم ، وبإحاطته بجميع أعمال الخلق ، على عظيم قدرته ، وكمال علمه وحكمته . ذلِكَ شاهد بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ، وما سواه باطل ، وَأَنَّ ما يَدْعُونَ « 1 » مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ ؛ المعدوم في حد ذاته ، لا حقيقة لوجوده . أو : ذلك الذي وصف بما وصف به ، من عجائب قدرته وباهر حكمته ، التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون ، فكيف بالجماد الذي يدعونه من دون اللّه ؟ إنما هو بسبب أنه الحق الثابت الإلهية ، وأن من دونه باطل ألوهيته ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ، أي : العلى الشأن ، الكبير السلطان . أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ ؛ السفن تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ ؛ بإحسانه ورحمته ، أو : بالريح ، لأن الريح من نعم اللّه . أو : ما تحمله السفن من الطعام والأرزاق والمتاع ، فالباء ، حينئذ ، للأرزاق ، وهو استشهاد آخر على باهر قدرته ، وكمال حكمته ، وشمول إنعامه . لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ ؛ من عجائب قدرته في البحر إذا ركبتموه ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ دالة على وحدانيته وكمال صفاته ؛ لِكُلِّ صَبَّارٍ في بلائه ، شَكُورٍ لنعمائه . وهما من صفة المؤمن . فالإيمان نصفان ؛ نصف شكر ونصف صبر ، فلا يعتبر بعجائب قدرته إلا من كان هكذا . وَإِذا غَشِيَهُمْ ، أي : الكفار ، أي : علاهم وغطاهم مَوْجٌ كَالظُّلَلِ ، أي : كشىء يظل ؛ من جبل ، أو سحاب ، أو غيرهما ، فالموج الكبير يرتفع فيعود كالظلل ؛ جمع ظلة ، وهو ما أظلك من جبل أو سقف . فإذا غشيهم ذلك ؛ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، لا يدعون معه غيره ، لزوال ما ينازع الفطرة بالقهرية . فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ؛ مقيم على الطريق القصد ، باق على الإيمان ، الذي هو التوحيد ، الذي كان منه في حال الشدة ، لم يعد إلى الكفر ، أو : متوسط في الظلم والكفر ، انزجر بعض الانزجار . ، ولم يغل في الكفر والعدوان . أو : مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر ، يعنى : أن ذلك الإخلاص الحادث عند الخوف لا يبقى لأحد قط ، إلا النادر ، وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا أي : بحقيقتها إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ ؛ غدّار . والختر : أقبح الغدر ، كَفُورٍ لنعم ربه . وهذه الكلمات متقابلة ؛ لفظا ومعنى ، فختّار : مقابل صبّار ، وكفور : مقابل شكور ؛ لأن من غدر لم يصبر ، ومن كفر لم يشكر . واللّه تعالى أعلم .

--> ( 1 ) قرأ أبو عمرو وحفص والكسائي ويعقوب : « ما يدعون » ؛ بالغيب . . انظر : الإتحاف ( 2 / 364 ) .